عبد الملك الجويني

169

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومما يتعين الاعتناء بفهمه في صور أحكام التمتع : أن المعتبر فيه أمران : أحدهما - وقوع العمرة في أشهر الحج ، وكان ذلك في مرتبة المستنكرات ؛ إذ كان الناس يَرَوْن أن أشهر الحج لا تُشغل إلا بالحج ، ولا يُزحم الحج بالعمرة ، في وقت إمكان الحج ، فورد التمتعُ في حكم الرخصة ، وجُوِّز للناس إيقاعُ العمرة في أشهر الحج ، وكأن السبب في الرخصة أن الغريب كان يرد مكة ، قبل عرفةَ بأيام ، وكان يعسُر عليه استدامةُ الإحرام بالحج ، ولا ( 1 ) يجد سبيلاً إلى مجاوزة الميقات ، الذي ينتهي إليه في جهته ، فجوز له أن يحرم بالعمرة ، ويتحلل عنها ، على شرط الشرع ، ويبقى بمكة متحللاً ، ثم يُحرم بالحج ، من جوف مكة . هذا أحد الأمرين . والثاني - أن الغريب لو أحرم بالحج ، من ميقاته الذي انتهى إليه ، لكان يحرم بالعمرة ، بعد نجاز الحج من ميقات العمرة ، وهو أَدْنى الحل . وإذا أحرم بالعمرة متمتعاً ، فقد ربح أحدَ الميقاتين في أحد النسكين . فينبغي أن يكون هذان الأمران على ذُكرٍ من الناظر في هذه المسائل . فإذا أوقع العمرة بتمامها في شهر رمضان ، لم يكن متمتعاً . ولو أحرم بها في شهر رمضان ، وأوقع جميع أفعالها في شوال ، فهل يكون متمتعاً ؟ فعلى وجهين مشهورين : أحدهما - لا يكون متمتعاً ، لأنه لم يزحَم الحجَّ بإحرامه ، والأصل الإحرام ، والأعمالُ وفاءٌ به ، فكان كما لو أوقع العمرة في شهر رمضان . والثاني - أنه يكون متمتعاً ؛ لأن المقصود من العمرة أفعالُها ، والإحرام رابطةٌ لها ، وقد وقعت الأفعال في أشهر الحج . وحكى الأئمةُ وجهاً ثالثاً ، عن ابن سريج : أنه قال : إن عاد ، فمرّ على الميقات محرماً ، بعد هلال شوال ، أو كان مقيماً به ، حتى دخل شوال ، فهو متمتعٌ ؛ نظراً إلى حصوله بالميقات محرماً ، في أشهر الحج . وإن كان جاوز الميقات محرماً ، في رمضان ، واستمر ، ولم يعد ، لم يكن متمتعاً .

--> ( 1 ) ( ط ) : ولم .